التحول الرقمي في زمن التحديات… من شيكان تبدأ الحكاية

بقلم عبدالرحمن حسن

لم يكن إعلان وزارة التحول الرقمي والاتصالات عن إنشاء 200 برج اتصالات جديدة خلال العام الجاري مجرد خبر تقني عابر، بل يمثل مؤشراً استراتيجياً على إدراك الدولة لأهمية البنية التحتية الرقمية كمدخل أساسي لبناء سودان حديث. فمع تنفيذ 60 برجاً للجيل الرابع (4G) بالفعل، وإطلاق 28 خدمة رقمية عبر “منصة بلدنا”، تتشكل ملامح مرحلة جديدة تتجاوز الحلول الإسعافية إلى تأسيس منظومة رقمية متكاملة.

وتعزز هذا التوجه بإنشاء ثلاث هيئات محورية: هيئة الأمن السيبراني، هيئة التحول الرقمي، وهيئة حوكمة البيانات. هذه المؤسسات ليست إضافة شكلية، بل تمثل أركاناً أساسية لبناء دولة رقمية آمنة وشفافة، تضبط حركة البيانات، وتحمي المعلومات، وتؤسس لثقافة مساءلة قائمة على الأرقام لا الانطباعات.

غير أن النقاش لا يكتمل دون الإجابة عن السؤال المحوري: ما الفرق بين التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟ التحول الرقمي هو عملية إعادة هندسة شاملة للإجراءات والخدمات والعمليات داخل المؤسسات باستخدام التقنية، بهدف رفع الكفاءة وتحسين جودة الأداء. إنه تأسيس الأرضية الرقمية التي تُبنى عليها كل التطبيقات اللاحقة.

أما الذكاء الاصطناعي فهو مرحلة متقدمة تعتمد على توفر بيانات رقمية دقيقة ومنظمة، يتم تحليلها لاستخراج أنماط وتوقعات تدعم اتخاذ القرار. وبذلك فإن التحول الرقمي يسبق الذكاء الاصطناعي منطقياً وعملياً؛ فلا يمكن الحديث عن أنظمة ذكية في بيئة لم تُستكمل فيها بعد عمليات الرقمنة الأساسية وتوحيد قواعد البيانات وتأمين الشبكات.

وإذا كان المركز قد بدأ في تشييد الأبراج وإطلاق المنصات، فإن اكتمال الصورة يتطلب استعداداً حقيقياً على مستوى الولايات، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. ولاية شمال كردفان، رغم تحديات الحرب وضعف البنية التحتية، تمتلك فرصة تاريخية لتجعل من التحول الرقمي أداة لإعادة البناء الإداري والاقتصادي بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.

الاستعدادات المطلوبة لا تقتصر على الأجهزة والبرمجيات، بل تبدأ بتشكيل رؤية ولائية واضحة للتحول الرقمي، تتبناها حكومة الولاية رسمياً، مع إنشاء وحدة أو مجلس تنسيقي للتحول الرقمي يضم الإدارات المعنية، ويعمل وفق خطة زمنية محددة ذات أولويات واضحة، تبدأ برقمنة الخدمات الحيوية مثل الإيرادات، والمياه، والصحة، والتعليم، وربط كافة الخدمات المقدمة إلكترونياً بالسجل المدني لضمان التكامل والدقة ومنع الازدواجية.

ويأتي تدريب الكوادر المحلية في صدارة هذه الاستعدادات. فالتحول الرقمي لا ينجح باستيراد الأنظمة فقط، بل ببناء قدرات بشرية قادرة على تشغيلها وتطويرها وصيانتها. وهنا يبرز دور حكومة الولاية في وضع برنامج متكامل للتدريب الداخلي والخارجي، يشمل دورات تخصصية داخل السودان، وشراكات تدريبية مع مؤسسات إقليمية ودولية، مع ضمانات تحفيزية للحفاظ على الكوادر ومنع تسربها، عبر بيئة عمل جاذبة ومسارات مهنية واضحة.

شمال كردفان تزخر بعدد كبير من الشباب الطموح، خاصة في مجالات الحاسوب وتقنية المعلومات، ممن يمتلكون الرغبة الحقيقية في إحداث تغيير نوعي. هذا المورد البشري يجب أن يُنظر إليه كاستثمار استراتيجي لا كمورد مؤقت. احتضان هؤلاء الشباب عبر برامج تدريبية، وحاضنات ابتكار، ومشروعات تطبيقية داخل مؤسسات الولاية، يمكن أن يحولهم إلى قاطرة حقيقية لعملية التحول الرقمي.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري لجامعة كردفان والجامعات والكليات التي تضم تخصصات في علوم الحاسوب وتقنية المعلومات. فهذه المؤسسات الأكاديمية قادرة على أن تكون شريكاً علمياً وفنياً في المشروع، من خلال البحوث التطبيقية، وتقديم الاستشارات التقنية، وتنفيذ برامج تدريب عملي للطلاب داخل مؤسسات الولاية، وربط مشاريع التخرج بقضايا التحول الرقمي الفعلية في القطاعات الحكومية.

وفي هذا السياق، تبرز محلية شيكان كنموذج تطبيقي يمكن أن يشكل منصة انطلاق عملية. بفضل هيكلها الإداري المتميز، واهتمام مديرها التنفيذي، والخطوات العملية التي بدأت تظهر على أرض الواقع، يمكن أن تتحول المحلية إلى تجربة رائدة يتم فيها اختبار الأنظمة، وتدريب الكوادر، وبناء قواعد البيانات، ثم تعميم التجربة تدريجياً على بقية المحليات.

إن اكتمال مشروع التحول الرقمي لا يتحقق بقرارات مركزية وحدها، بل بتكامل الأدوار بين المركز والولايات، وبين الحكومة والجامعات، وبين القيادة والشباب. ومن الأبراج التي تُشيَّد اليوم، إلى العقول التي تُدرَّب وتُحفَّز، يتشكل مستقبل رقمي جديد يمكن أن يعيد ترتيب أولويات الإدارة العامة في السودان. ومع وضوح الرؤية، وتكامل الاستعدادات، وتوظيف طاقات الشباب، فإن الطريق نحو التحول الحقيقي يصبح ممكناً… وأكيد الجاي أحلى.

By admin